أبي منصور الماتريدي
479
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ثم لا يحتمل : كون ذلك الماء بكليته فيه ، لصغره وخفته ، ولا كان ينبغي ذلك من أسفله . فإذا كان هذا كما ذكرنا ظهر أن الله - عزّ وجل - كان ينشئ ذلك الماء فيه ، ويحدث من لا شئ ؛ لأن ذلك الحجر لم يكن من جوهر الماء ، ولا من أصله . فإذا كان قادرا على هذا فإنه قادر على إنشاء العالم من لا شئ سبق ، ولا أصل تقدم . وكذلك ما أراهم - عزّ وجل - من العصا : الثعبان والحية ، لم يكونا من جوهرها ، ولا من أصلها ، ولا تولدها منها ، بل أنشأ ذلك وأبدع ، بلطفه . والله الموفق . وقوله : فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً . قيل « 1 » : كانوا اثنى عشر سبطا ؛ لقوله : اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً [ المائدة : 12 ] وهم بنو يعقوب ؛ فجعل لكل سبط نهرا على حدة ، فانضم « 2 » كل فريق إلى أبيهم الذي كانوا منه ، ولم ينضموا إلى أعمامهم وبنى أعمامهم . ففيه دلالة : أن المواريث لا تصرف إلى غير الآباء إلا بعد انقطاع أهل الاتصال بالآباء . وفيه دلالة : أن القوم في الصحارى والبوادي ينزلون مجموعين غير متفرقين ، ولا متباعدين بعضهم من بعض بحيث يكون بعضهم عونا لبعض وظهيرا ؛ لأنهم نزلوا جميعا في موضع واحد ، مجموعين - مع كثرتهم وازدحامهم - غير متفرقين ولا متباعدين ، وإن
--> - كما يقول الملحدون فإن المصادفة تضاد النظام وتخالفه كل المخالفة . محال أن يكون هذا النظام المتناهى في الدقة من أثر الفوضى والإهمال وأن ينسب إلى عدم الفاعل والموجد ، تلك محالات أزلية يرفض العقل الاقتناع بها والركون إليها وها هي أكثر الآيات الدالة على وجود الخالق العظيم آتية بطريق الاستفهام التقريرى مما يدل على أن الجميع مقرون بوجوده : هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [ فاطر : 3 ] أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [ النحل : 17 ] أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ إبراهيم : 10 ] أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الأنعام : 14 ] فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [ لقمان : 11 ] أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ [ فاطر : 40 ] أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ [ الطور : 35 - 36 ] . هذه دلائل واضحة يسلم بها العقل متى عرضت عليه لأن في فطرته الاعتراف بها ، فقد ثبت بهذه الأدلة وبما سبقها من الأدلة العقلية والكونية أن للعالم صانعا مختارا في إيجاده وكون هذا العالم على هذا الوجه المشاهد بدون اضطرار ولا إيجاب . ينظر أصول الدين ص ( 34 ، 33 ، 14 ) ، العقيدة النظامية ( 1 / 309 ) ، العقيدة النسفية ص ( 23 ، 25 ) ، نشر الطوالع ص ( 175 ، 177 ) ، التعريفات ( 86 ) ، المطالب العالية للرازي ( 1 / 309 ، 311 ) وما بعدها ، الفصل في الملل والأهواء والنحل ( 1 / 47 ) وما بعدها ، تهافت الفلاسفة ص ( 50 ) . ( 1 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه ( 1048 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 140 ) . ( 2 ) في أ : فانقسم .